الصفحة الرئيسية

الوقف وأحكامه

بقلم د. كمال الحوت

 فهرس البحث:


الوقف وتعريفه:

الوقف والتّحبيس والتّسبيل بمعنى واحد، وهو لغة: الحبس والمنع (1)  يقال: وقفت كذا أي حبسته، ولا يقال: أوقفته إلا في لغة تميمية وهي رديئة وعليها العامة وهي بمعنى سكت وأمسك وأقلع (2).

قال عنترة العبسي (3):

ووقففتُ فيها ناقَتي  فكأنَّها          فدنٌ لأقضِي حاجةَ  المُتَلوِّم

وقال غيره:

وقولهُا والركابُ مُوقَفـةٌ           أقِم علينا يا أخِي فلم أُقِــمِ‎

ومنه الموقف لأن الناس يوقفون أي يحبسون للحساب (4).

ومعناه شرعًا: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود، ويجمع على وقوف وأوقاف.
والحُبْس
(5) : بضم الحاء وسكون الباء الموحدة بمعنى الوقف، وهو كل شيء وقفه صاحبه من أصول أو غيرها، يحبس أصله وتُسبل غلته (6).
والفقهاء يُعبرون بالوقف وأحياناً بالحبس إلا أن التعبير بالوقف عندهم أقوى. وقد يعبر عن الوقف بلفظ الصدقة بشرط أن يقترن معها ما يفيد قصد التحبيس(7).
وجمع الحبس حُبُس - بضم الباء- كما قاله الأزهري (8)، وأحبس بالألف أكثر استعمالاً من حبس(9)، عكس وقف، فالأولى فصيحة، والثانية رديئة.
واحتبست فرساً في سبيل الله أي: وقفت، فهو محتبس وحبيس، والحبُس بالضم ما وقف (10).
والحبيس: فعيل بمعنى مفعول أي محبوس على ما قصد له، لا يجوز التصرف فيه لغير ما صير له (11).
واشتهر إطلاق كلمة الوقف على اسم المفعول وهو الموقوف.
ويعبر عن الوقف بالحبس، ويقال في المغرب: وزير الأحباس.

تعريفه عند الفقهاء الأربعة:

تعريفه عند الفقهاء الأربعة:
1 - الوقف عند الفقهاء الحنفية:
الوقف عند الصاحبين أبي يوسف (12) ومحمد بن الحسن(13) رحمهم الله تعالى قال صاحب تنوير الأبصار(14): وعندهما هو حبسها على ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب.
وقد زاد صاحب الدر المختار (15) كلمة «حكم» بعد «على» وقبل «ملك الله تعالى» ليفيد أنه لم يبق على ملك الواقف ولا انتقل إلى ملك غيره بل صار على حكم ملك الله تعالى.
2 ـ تعريف الوقف عند فقهاء المالكية:
ذكر ابن عرفة (16) رحمه الله تعريف الوقف بأنه: إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا (17).
3 ـ تعريف الوقف عند فقهاء الشافعية:
عرّفه الإمام النووي (18) عن الأصحاب بقوله (19): حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته وتصرف منافعه إلى البر تقربا إلى الله تعالى.
4 ـ تعريف الوقف عند فقهاء الحنابلة:
عرّفه الموفق بن قدامة (20) في المغني (21) والعمدة(22) بأنه: تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة.
وكذلك عرّفه في المقنع (23) بأنه: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ووافقه الشمس المقدسي (24) في هذا التعريف (25) وقالوا: إن السبب في جمع الشارع بين لفظتي التحبيس والتسبيل تبيين لحالتي الابتداء والدوام، فإن حقيقة الوقف ابتداء تحبيسه ودواما تسبيل منفعته، ولهذا حدّ كثير من أصحاب الإمام أحمد (26) الوقف بأنه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة أو المنفعة (27).

مقاصد الوقف:
الوقف له مقاصد عامة وخاصة، فأما المقصـد العـام للوقف: فهو إيجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق غرض مباح من أجل مصلحة معينة.
وأما المقاصد الخاصة للوقف كثيرة منها:
1- في الوقف ضمان لبقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة.
2 - استمرار النفع العائد من المال المحبس للواقف والموقوف عليه، فالأجر والثواب مستمران للواقف حيا أو ميتا، ومستمر النفع للموقوف عليه.
3 ـ امتثال أمر الله سبحانه وتعالى بالإنفاق والتصدق في وجوه البر، وامتثال أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالصدقة والحث عليها، وهذا أعلى المقاصد من الوقف.
4 - في الوقف صلة للأرحام حيث يقول الله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتـب الله} [سورة الأنفال/75].
5 - فيه تعاون على البر والإحسان لكفالة الأيتام وعون الفقراء والمساكين وهو ضرب من التعاون في كل ما ينفع الناس وذلك ما دعا إليه القرءان الكريم: {وتعاونوا على البر والتقوى} [سورة المائدة/2].
6 - الوقف على المساجد والزوايا والربط والمعاهد والمدارس والمشافي ودور العجزة وملاجيء الأيتام، كل هذا مما يضمن لهذه المرافق العامة بقاءها وصيانتها.

دليله:
الأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [سورة ءال عمران/92]، فإن أبا طلحة بما سمعها رغب في وقف بئر حاء وهي أحب أمواله إليه، وكذا خبر مسلم في صحيحه وغيره(28): "إذا مات ابن ءادم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف كما قاله الرافعي.
وكذا روى الشيخان في صحيحيهما
(29) عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس منها فكيف تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه.
وروى ابن ماجه
(30) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما يلحقُ المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا وَّرَثَه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقُه من بعد موته".
فالوقف قربة مندوب إليه لحديث مسلم المتقدم، وهو مما اختص به المسلمون قال الشافعي رضي الله عنه: "ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضا وإنما حبس أهل الإسلام".
وقد نظم الجلال السيوطي
(31) نظما جاء فيه:
 

إذا مات ابن آدم ليس يجري *  عليه من فعــــال غيرُ عشر
علوم بثها ودعاء نجـــل
*  وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغر
* وحفر البئر أو إجـــراء نهر
وبيت للغريب بناه يــأوي
*  إليه أو بنــاء محل ذكـــر
وتعليم لقرءان كريــــم
* فخذها من أحاديـــث بحصر
(32)

أركانه وشرائطه:
للوقف أربعة أركان: واقف، وموقوف، وموقوف عليه، وصيغة.

1 ـ ثم الوقف يصح من مختار مالك للموقوف فلا يصح وقف ما لا يملك،  ويكون بكل معين يحصل منها فائدة أو منفعة تستأجر لها مع بقاء عينه كالعقار ومنقول وشائع ومقسوم والمصائد والعيون والآبار والأشجار للثمار والبهائم للبن والصوف والوبر والبيض.

2 ـ ثم من شرط الوقف أن منجزا أي غير معلق فلو قال: إذا قدم زيد فقد وقفت كذا لم يصح،  أما لو قال: وقفت داري بعد موتي على الفقراء فإنه يصح وكأنه وصية.

3 ـ ويشترط أن يكون على أصل موجود في الحال فلو وقف على من سيولد له أو على مسجد سيبنى لم يصح.

4 ـ ويشترط أن يكون الوقف مؤبدا على فرع لا ينقطع قبل قيام الساعة كالوقف على الفقراء ونحو ذلك.

5 ـ ويشترط أيضا أن يكون في جهة قربة وطاعة كالوقف على المساكين والحجاج والعلماء والمتعلمين والمساجد والمدارس والربط والخانقاه ونحو ذلك،  فإن كانت جهة معصية لم يصح لأنه إعانة على معصية والوقف شرع للتعبد فهما متضادان.

6 ـ ويشترط أن يكون الوقف بصيغة تشعر بالمراد وصريحة كوقفت وسبلت وحبست كذا على كذا أو تصدقت بكذا على كذا صدقة مؤبدة أو موقوفة،  أو جعلت هذا المكان مسجدا.
 

حكم الوقف:

ثم الموقوف لا يكون بعد وقفه ملكا للواقف ولا للموقوف عليه ولا لناظره بل ينفك عن اختصاص ءادمي فلا يباع ولا يشترى ولا يوهب ولا يرهن ولا يورث،  إنما منافعه تكون للموقوف عليه يتصرف فيها بحسب شرط الواقف لأن ذلك هو المقصود من الوقف فيستوفي منافعه بنفسه أو بغيره.

ثم إنه ليس للواقف الرجوع في شىء أوقفه ولا رده إلى ملكه.

فإن كان شجرة ملك الموقوف عليه ثمارها ولا يملك أغصانها إلا فيما يعتاد قطعه كشجر الخلاف فأغصانها كثمر غيرها،  وإن كان الموقوف بهيمة ملك صوفها ووبرها ولبنها قطعا. ولا يجوز ذبح البهيمة المأكولة الموقوفة وإن خرجت عن الانتفاع قال المتولي: تذبح للضرورة وفي لحمها طريقان مذكوران في بطون كتب الفقه.

شرط الناظر على الوقف ووظيفته:

شرط الناظر أو المتولي على الوقف خمسة أشياء: الإسلام،  والتكليف،  والعدالة،  والقوة عليه،  وفيه هداية للتصرف فيما هو ناظر عليه لأن نظره ولاية على الغير فاعتبر فيه ذلك كالوصي والقيم.

ثم وظيفته عمارته وإيجاره وحفظ الأصل الموقوف وزرعه والمخاصمة فيه والاجتهاد في تنميته وجمع الغلة وقسمتها على مستحقيها على حسب شرط الواقف.

ثم إن الناظر أو المتولي لا يحق ولا يجوز له بيع الوقف لأنه ليس ملكا له إنما هو متولي عليه لحفظه وصرفه في أوجهه.

حكم الوقف إذا خرب واختلت منافعه:
يحصل اليوم أن كثيرا من الأوقاف تتعطل منافعها أو تخرب فيهجم عليها أناس ويضعون أيديهم عليها ويتصرفون فيها وكأنها ملكا لهم فيبيعونها ويأكلون ثمنها غير مراعين لأحكامها الشرعية وهؤلاء ينطبق عليهم قوله عليه السلام: "إن أناسا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة" رواه البخاري(33).

وقد وضع فقهاء الإسلام أحكاما تتعلق بالوقف إذا تعطل واختلت منافعه وجعلوا له شروطا وأحكاما ينبغي أن تراعي،  وفي كثير من الوقفيات اليوم لا تراعى هذه الشروط ويحصل الاستبدال فورا مع كون الوقف لم يخرج عن صلاحيته بالمرة،  وها نحن نورد نصوص العلماء من أهل المذاهب الأربعة المعتبرة بين ملة أهل الإسلام قاطبة في ذلك:


1 ـ الشافعية:

يقول الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في شرحه على روض الطالب الجزء الثاني ص/ 474 ما نصه ممزوجا بالمتن: "(فصل: لو تعطلت المنفعة) التي للموقوف (بسبب غير مضمون كشجرة جفت) أو قلعتها الريح ولم يمكن إعادتها إلى مغرسها قبل جفافها (لم يبطل الوقف) لبقاء عين الموقوف (ولا تباع) ولا توهب للخبر السابق أول الباب (لو انتفع بها) بإجار أو غيره (مع بقاء عينها) إدامة للوقف (صارت ملكًا للموقوف عليه) لكنها لا تباع ولا توهب بل ينتفع بعينها" انتهى.

وقال في فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب ص/259 ما نصه: "ولا يباع موقوف وإن خرب كشجرة جفت ومسجد انهدم وتعذرت إعادته،  وحصره الموقوفة البالية،  وجذوعه المنكسرة إدامة للوقف في عينه ولأنه يمكن الانتفاع به كصلاة واعتكاف في أرض المسجد وطبخ جص أو ءاجر له بحصره وجذوعه وما ذكرته فيهما بصفتهما المذكورة هو ما اقتضاه كلام الجمهور وصرح به الجرجاني والبغوي والروياني وغيرهم وبه أفتيت".

ويقول الحافظ الفقيه محي الدين النووي في روضة الطالبين 5/356 ما نصه: " أن يحصل التعطل بسبب غير مضمون فإن لم يبق منه شىء ينتفع به بأن مات الموقوف فقد فات الوقف،  وإن بقي كشجرة جفت أو قلعتها الريح فوجهان أحدهما: ينقطع الوقف كموت العبد فعلى هذا ينقلب الحطب ملكا للواقف،  وأصحهما لا ينقطع".

ثم قال في الصحيفة 357: "لو انهدم المسجد أو خربت المحلة حوله وتفرق الناس عنها فتعطل المسجد لم يعد ملكا بحال ولا يجوز بيعه لإمكان عوده كما كان ولأنه في الحال يمكن الصلاة فيه. ثم المسجد المعطل في الموضع الخراب إن لم يخف من أهل الفساد نقضه لم ينقض،  وإن خيف نقض وحفظ،  وإن رأى الحاكم أن يعمر بنقضه مسجدا ءاخر جاز وما كان أقرب إليه فهو أولى،  ولا يجوز صرفه إلى عمارة بئر أو حوض،  وكذا البئر الموقوفة إذا خربت يصرف نقضها إلى بئر أخرى أو حوض لا إلى المسجد،  ويراعى غرض الواقف ما أمكن" اهـ.

نقول: إن كثيرا من المساجد والزواية والربط والعمارات الموقوفة اليوم ولو تعطلت أو خربت فإنها لم يحصل التعطل أو الخراب بشكل أنها اندثرت بالمرة وصارت أرضا مستوية لا أثر للوقف عليها بل بعضها بمجرد خراب جدرانها يقوم القيمون عليها ببيعها أو باستبدالها وهذا لا يجوز لأنه يمكن إعادة عمارتها كما كانت،  وكذا المساجد لأنه يمكن الصلاة فيها.

ثم ما هو الخراب أو التعطل الذي قصده الفقهاء وما هو حده عندهم،  هذا ينبغي على المتصرفين بالوقف ببيع أو استبدال معرفته قبل الخوض.


2 ـ المالكية:

ذكر الشيخ علّيش المالكي رحمه الله في كتابه "مِنح الجليل شرح مختصر خليل" الجزء الثامن ص 156 ما نصه ممزوجا بالمتن: "(ومن هدم وقفًا فعليه إعادته) الشرح: (ومن هدم وقفًا) أي عقارًا موقوفًا تعدّيًا (فعليه) أي الهادم وجوبًا (إعادته) ببنائه كما كان، لا قيمته لأنه كبيعه" انتهى.

وقال الشيخ محمد عليش المالكي في فتح العلي المالك 2/262: "الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى ءال كل وصحبهم والتابعين.

(وبعد) فالغرض ذكر ما لأهل المذهب في هذه الأورق من الخلاف في العقار الموقوف إذا خرب وانقطعت منفعته ولم يرج عودها هل يجوز بيعها ويستبدل بثمنه غيره من نوعه أو المناقلة به أو كراؤه المدة الطويلة أولا.

قال ابن رشد في البيان في شرح رابع مسألة من رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس: الأحباس في جواز بيعها والاستبدال بها إذا انقطعت المنفعة تنقسم على ثلاثة أقسام:

1 ـ قسم يجوز بيعه باتفاق وهو ما انقطعت منفعته ولم يرج أن يعود وفي إبقائه ضرب مثل الحيوان الذي يحتاج إلى الإنفاق عليه ولا يمكن أن يستعمل في نفقته فيضر الإنفاق عليه بالمحبس عليه أو ببيت المال إن كان حبسا في السبيل أو على المساكين.

2 ـ وقسم لا يجوز بيعه باتفاق وهو ما يرجى أن تعود منفعته ولا ضرر في إبقائه.

3 ـ وقسم يختلف في جواز بيعه والاستبدال به وهو ما انقطعت منفعته ولم يرج أن يعود ولا ضرر في إبقائه وخراب الربع المحبس الذي اختلف في جواز بيعه من هذا القسم انتهى.

فجعل الربع المحبس إذا خرب وانقطعت منفعته ولم يرج عودها من المختلف فيه،  وظاهر كلامه سواء كان الربع الخراب في العمران أو بعيدا عنه وهو ظاهر كلام غيره من أهل المذهب كما ستقف عليه في كلامهم.

وجعل اللخمى الخلاف إنما هو إذا كان بعيدا عن العمران وأما إذا كان في العمران فظاهر كلامه أنه من القسم المتفق على عدم جواز بيعه. ونصه في ترجمة بيع الحبس: وإذا انقطعت منفعة الحبس وعاد بقاؤه ضررا جاز بيعه،  وإن لم يكن ضررا ورجي أن تعود منفعته لم يجز بيعه. واختلف إذا لم يكن ضررا ولا ترجى منفعته فأجاز ابن القاسم وربيعة البيع ومنعه غيرهما. ولا يباع ما خرب من الرباع إذا كان في المدينة لأنه لا ييأس من إصلاحه وقد يقوم محتسب لله فيصلحه. وإن كان على عقب فقد يستغني بعضهم فيصلحه،  وما بعد من العمران ولم يرج إصلاحه جرى على القولين،  والذي ءاخذ به في الرباع المنع لئلا يتذرع الناس إلى بيع الأحباس ا.هـ

قال ابن ناجي في شرح قول الرسالة "ولا يباع الحبس وإن خرب": ما ذكره الشيخ هو المعروف،  وروى أبو الفرج جوازه حكاه ابن رشد،  وكذا ذكر اللخمي الخلاف وعزا الجواز لابن القاسم جريا على قوله في الثياب إذا بليت إلا أنه قصر الخلاف على ما بعد من العمران ولم يرج إصلاحه وأما ما كان بمدينة فلا يباع،  وظاهر كلامه باتفاق فجعله بعض شيوخنا قولا ثالثا انتهى.

وبعض شيوخه هو ابن عرفة ويشير بذلك لقول ابن عرفة في كتاب الحبس: وفيها مع العتبية والموازية وغيرهما منع بيع ما خرب من ربع حبس مطلقا،  وسمع ابن القاسم لاتباع دار حبس خربت ليبتاع دونها،  ابن رشد فيها لربيعة أن الإمام يبيع الربع إذا ولي ذلك لخرابه وهي إحدى روايتي أبي الفرج اللخمى لا يباع إن كان بمدينة إذ لا ييأس من صلاحه من محتسب وبعض عقب وما بعد عن العمران ولم يرج صلاحه جرى على القولين،  والذي ءاخذ به المنع خوف كونه ذريعة لبيع الحبس. قلت ففي منعه ثالثها إن كان بمدينة للمعروف وإحدى روايتي أبي الفرج ونقل اللخمى اهنتهى كلام ابن عرفة بلفظه.

وقال في العتبية في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس: قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال في قوم حبست عليهم دار فخربت فأرادوا بيعها وابتياع دونها: إن ذلك لا يجوز لهم،  وأما الفرس يكلب أو بجن فإنه يباع ويشترى بثمنه فرس يحبس مكانه،  قال ابن رشد هذا هو ما في المدونة أن الربع الحبس لا يباع وإن خشي عليه الخراب،  ومثله في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع بخلاف ما بلي من الثياب وضعف من الدواب،  والفرق بين ذلك أن الربع وإن خرب فلا تذهب المنفعة ويمكن أن يعاد إلى حاله،  وابن الماجشون يرى أن لا يباع شىء من ذلك كله وهو قول غير ابن القاسم في المدونة،  وروى عن ربيعة أن الإمام يبيع الربع إذا أدى ذلك إلى خرابه كالدواب والثياب وهو قول مالك في إحدى روايتي أبي الفرج عنه قال: لا يباع الربع الحبس،  وقال في موضع ءاخر: إلا أن يخرب ا.هـ.

فحاصل ذلك أن القول بالمنع مطلقا والقول بالجواز إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها سواء كان في العمران أو بعيدا عنها لمنع لمالك في المدونة وغيرها،  والجواز لإحدى روايتي أبي الفرج عنه،  إلا أن المنع صرح بمشهوريته غير واحد من أهل المذهب قال في معين الحكام: اختلف قول مالك في بيع العقار المحبس إذا خرب فالمشهور عنه المنع،  وروى عنه أبو الفرج في حاويه الجواز انتهى. وقال ابن رشد في لب القباب: وأما الرباع فالمشهور فيها المنع وروى أبو الفرج الجواز. وقال ابن هارون في مختصر المتيطية: وإذا انقطعت منفعة الحبس فأما الرباع فاختلف في بيعها إذا خربت فالمشهور عن مالك [المنع]،  وروى عنه أبو الفرج في كتابه الجواز وهو قول ربيعة انتهى.

فهؤلاء كلهم صرحوا بمشهورية المنع وتقدم في كلام ابن عرفة وابن رشد أنه المعروف لمالك واختيار اللخمي له أيضا وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره "لا عقار وإن خرب"،  والقول بالجواز اختاره جماعة من المتأخرين وبه وقعت الفتوى والحكم وجرى به العمل قال ولد ابن عاصم في شرح رجز والده عند قوله:


وغير أصل عادم النفس صرف * ثمنه في مثله ثم وقف

استثنى الأصول بقوله: وغير أصلي وذلك على المشهور من المذهب،  وقد قيل ببيع ما عدمت منفعته منها وإن كان غير المشهور،  وقد أفتى بذلك من شيوخ شيوخنا الأستاذ أبو عبد الله الحفار رحمه الله تعالى فسئل في فدان محبس على مصرف من مصارف البر لا منفعة فيه هل يباع ويشترى بثمنه ما يكون فيه منفعة؟ فأجاب: إن كان الفدان الذي حبس لا منفعة فيه فإنه يجوز أن يباع ويشترى بثمنه فدان ءاخر يحبس وتصرف غلته في المصرف الذي حبس عليه الفدان الأول على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النحو فقد أفتى ابن رشد رحمه الله تعالى في أرض محبسة عدمت منفعتها بسبب ضرر جيران أن تباع ويعارض بثمنها ما فيه منفعة على ما قاله جماعة من العلماء في الربع المحبس إذا خرب ويكون ذلك بحكم القاضي بعد أن يثبت عنده أنه لا منفعة فيه قاله محمد الحفار. وبمثل ذلك أفتى الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله تعالى وقد سئل في طراز محبسة على رابطة ثبت أنه قد تداعى للسقوط وأنه يضر بحيطان الجيران المشتركة معه من جيران الرباط إضرارا بينا وأنه لا بد من حله وأنه لا يصلح للرباطة ما يسدد به بناؤه فأجاب: يسوغ بيع الطراز على الصحيح من القولين ويعوض بثمنه للحبس ما يكون له أنفع،  وإن وجد من يناقل به بربع ءاخر للحبس فهو حسن إن أمكن قاله فرج انتهى. وقال البرزلي بن عات عن الفضل بن مسلمة: وحبس المساكين يكون في البلد فتيبس أشجاره ويقحط لحبس الماء عنه يرى القاضي فيه رأيه في بيع أو شركة أو عمل أو كراء ما رءاه فيها،  وعن ابن اللباد: أرى أن يباع إذا كان بهذه الحال،  [قال] يحيى بن خلف: وكذلك الموضع الصغير الذي لا يحرث عليه وحده ولا ينتفع به فإنهم يرون بيعه ويدخل في غيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى والله الموفق.

وجرى العمل عندنا ببيع ما لا نفع فيه منها ووقعت مسائل عندنا بتونس منها فندق ابن يعطاس تهدم فأفتى شيخنا الإمام يعني ابن عرفة أنه تباع أنقاضه ويغير عن حاله دارا ورجح هذا القول،  وحكم بهذه الفتوى قاضي الجماعة وحق له ذلك. ومنها دار خربت من دور مدرسة القنطرة فأفتى فيها شيخنا الإمام المذكور ببيعها فبيعت واشترى بثمنها رسما في الغابة بتونس. وظاهر فتاوى الأندلسيين يقتضى إباحة البيع ويستبدل بها ما هو أعود بالمنفعة انتهى كلام البرزلي بلفظه ونقله ابن سلمون في وثائقه أيضا ونصه: وفي كتاب الاستغناء: قال الفضل بن مسلمة في حبس المساكين يكون في البلد فتيبس أشجاره ويقحط بحبس الماء عنه فقال: يرى القاضي فيه رأيه في بيع أو شركة أو غير ذلك. وقال ابن اللباد: أرى أن يباع إذا كان بهذه الحالة. قال يحيى بن خلف: وكذلك الموضع الصغير الذي لا يحرث وحده لا ينتفع به فإنهم يرون بيعه وإدخال ثمنه في غيره قال: وهو الصواب وجرى العمل عندنا ببيع ما لا نفع فيه منها انتهى.

ولعل مراد ابن مسلمة بالشركة في قوله: في بيع أو شركة ما قاله يحيى بن خلف في الموضع الصغير الذي لا يحرث وحده أنه يباع ويدخل في غيره،  وقال ابن عرفة في مسألة ما إذا كانت غلة الحبس لا تفي بنفقته: والأظهر عندي أن ينظر فإن كان مع ذلك لا ثمن له رد لمحبسه وإن كان له ثمن يبلغ ما يشتري به ما فيه نفع ولو قل بيع واشتري بثمنه ذلك. ثم قال: والحاصل أن نفقته من فائدته فإن عجزت بيع وعوض بثمنه ما هو من نوعه،  فإن عجز صرف في مصرفه انتهى.

فتحصل من هذه النصوص أن في العقار الموقوف إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها سواء كان في مدينة أو بعيدا من العمران لمالك قولان: الأول المنع وهو المشهور عنه في المدونة والعتبية والموازية وغيرها وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره، والثاني الجواز وهو ما رواه عنه أبو الفرج في حاويه وقال به جماعة من العلماء ورجحه ابن عرفة كما تقدم في نقل البرزلي وبه وقعت الفتوى والحكم،  وقال أبو سعيد بن لب: إنه الصحيح من القولين،  وقال يحيى بن خلف: إنه الصواب إن شاء الله.

ووجه القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة القول بالمنع بما نصه: والدليل على ذلك أي المنع أن الوقف إزالة ملك لا إلى ملك فإذا كان فيما لا ضرر في تبقيته فلم يجز البيع اعتبارا به إذا لم يخرب وبذلك فارق الحيوان على أحد الوجهين لأن في تبقيته ضررا إذا لم ينتفع به وإن أجبنا بالتسوية قلنا لأنه إزالة ملك بسبب يمنع البيع مع السلامة فوجب أن يمنع فيه مع التغير كالعتق وتزيد بالإزالة في الفرع المنافع ولأن القصد انتفاع الموقوف عليه بمنفعته فلو أجزنا بيعه لخالفنا شرط الواقف وجعلنا المنفعة له بالأصل،  ولأن العمارة قد تعود وتنتقل ففي إجازة بيعه إبطال حق من جعل له حق بعد هذا البطن وذلك مما لا سبيل اليه انتهى. ووجه الجواز بما نصه: ووجه الجواز اعتباره بالحيوان ولأن الواقف إنما أراد وصول الانتفاع إلى الموقوف عليهم من جهة هذا الوقف غذا لم يكن من جهته منفعة وجب أن تنقل إلى منفعة ما يقوم مقامه وإلا كان في ذلك إبطال شرطه،  والأول أصح وأوضح انتهى.

فهذا ملخص ما يتعلق بالكلام على البيع إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها والاستبدال بثمنه من نوعه.

وأما حكم المعاوضة بالعقار الخرب عقارا غير خرب فقال الشيخ ابن أبي زيد في رسالته: واختلف في المعاوضة بالربع الخرب ربعا غير خرب، واختلف شراحه في حمل كلامه هذا مع قوله أولا: "ويباع الحبس وإن خرب" فمنهم من حمل ذلك على أن ذلك مسألة واحدة،  ومعنى الكلامين أنه لا يجوز أن يباع الحبس الخرب ويشترى بثمنه غيره من جنسه يكون وقفا عوضه فجزم أولا بما اختاره من أنه لا يباع وإن خرب، ثم حكى وجود الخلاف فيه،  ومنهم من حمل الأول على الصورة المتقدمة والثاني على المعاوضة بربع غيره من غير بيع. قال الجزولي إثر قوله "ولا يباع الحبس وإن خرب": ظاهر هذا معارض لما يأتي من قوله واختلف في المعاوضة فقال في تلك اختلف في بيعه وقال هنا لا يجوز وإن خرب والانفصال عن هذا أن يقال: مذهبه أنه لا يجوز بيع الحبس وإن خرب وهو الذي قال أولا،  وقوله في المعاوضة إلخ إنما حكى الخلاف ويكون مذهبه القول بالمنع. ثم قال في شرح قوله "واختلف في المعاوضة بالربع الخرب ربعا غير خرب": صورة هذا أن تكون دارا محبسة ثم خربت فإنها تباع ممن يملكها ويشتري بثمنها أخرى فيصير الحبس ملكا والملك حبسا فاختلف فيه على قولين مالك يمنعه وربيعة وابن القاسم يجيز أن يبيعه،  ووجه قول مالك سدا للذريعة وحسما للباب. ومنهم من قال: إنما صورته أن يباع الحبس الخرب بدار أخرى غير خربة وفي بعض النسخ ومنهم من قال صورة المناقلة أن يدفع ربعا خربا في ربع صحيح. الشيخ بغير تعقب: ولا فرق بين المسئلتين أعني من أن يأخذ فيه دراهم ويشتري بها دارا أخرى أو يأخذ دارا فيها كلاهما يقال فيه عارض بدار غير حرب انتهى.


3 ـ الحنابلة:

وفي كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" على مذهب الإمام المبجّل أحمد بن حنبل للمرداوي الحنبلي الجزء السابع ص 101 ما نصه :"اعلم أن الوقف لا يخلو إما أن تتعطل منافعه أو لا، فإن لم تتعطل منافعه لم يجز بيعه ولا المناقلة به مطلقًا، نص عليه ـ أي الإمام أحمد ـ في رواية علي بن سعيد، قال: لا يستبدل به ولا يبيعه إلا أن يكون بحال لا ينتفع به، ونقل أبو طالب: لا يغير عن حاله ولا يباع" انتهى.

وقال الشيخ مرعي الحنبلي في دليل الطالب ص/172 ما نصه: "والوقف عقد لازم لا يفسخ بإقالة ولا غيرها ولا يوهب ولا يرهن ولا يورث ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه بخراب أو غيره ولم يوجد ما يعمر به فيباع ويصرف ثمنه في مثله أو بعض مثله،  وبمجرد شراء البدل يصير وقفا".


4 ـ الحنفية:
 

وفي كتاب "الدر المختار" الحنفي الجزء الثالث ص 389 ما نصه :"(وفيها لا يجوز استبدال العامر إلا في أربع) وذكر ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار تعليقًا على هذا الكلام (قوله: وفيها) أي في الأشباه (قوله: إلا في أربع):

الأولى: لو شرطه الواقف.

الثانية: إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء حتى صار بحرًا فيضمن القيمة ويشتري المتولي بها أرضًا بدلاً.

الثالثة: أن يجحده الغاصب ولا بينة أي وأراد دفع القيمة فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً.

الرابعة: أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة وأحسن صُقعًا ـ أي أحسن ناحية ـ فيجوز على قول أبي يوسف وعليه الفتوى كما في فتاوى قارىء الهداية.

قال صاحب النهر في كتابه إجابة السائل: قول قارىء الهداية والعمل على قول أبي يوسف" معارض بما قاله صدر الشريعة:"نحن لا نفتي به"، وقد شاهدنا في الاستبدال ما لا يُعدّ ويحصى فإن ظلمة القضاة جعلوه حيلة لإبطال أوقاف المسلمين، وعلى تقديره فقد قال في الإسعاف: المراد بالقاضي هو قاضي الجنة المفسر بذي العلم والعمل" انتهى. ولعمري إن هذا أعزّ من الكبريت الأحمر وما أراه إلا لفظًا يُذكر فالأحرى فيه السدُّ خوفًا من مجاوزة الحد والله سائل كل إنسان" انتهى.

قال العلامة البيري بعد نقله: أقول: وفي فتح القدير: والحاصل أن الاستبدال إما عن شرط الاستبدال أو لا عن شرطه، فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم فينبغي أن لا يختلف فيه، وإن كان لا لذلك بل اتفق أنه أمكن أن يؤخذ بثمنه ما هو خير منه مع كونه منتفعًا به فينبغي أن لا يجوز لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة، ولأنه لا موجب لتجويزه لأن الموجب في الأول الشرط، وفي الثاني الضرورة ولا ضرورة في هذا إذ لا تجب الزيادة بل نبقيه كما كان" انتهى. أقول: ما قاله هذا المحقق هو الحق والصواب. انتهت عبارة ابن عابدين بحروفها.

فهذه نصوص العلماء من المذاهب الأربعة في حكم الوقف فعند الشافعية والمالكية والحنابلة لا يستبدل الوقف، أما عند الحنفية فلا يستبدل إلا بأربعة شروط، وهي لم تتحقق اليوم في عملية استبدال أكثر العقارات الوقفية، فإن الحنفية شرطوا أن يكون العقار المستبدل به أكثر غلة وأحسن بقعة وناحية وهذا لم يحصل اليوم في كثير من العقارات الوقفية ويدركه أولو الفهم وأصحاب العقول.

الحاجات العامة التي يمكن تمويلها من إيرادات الأوقاف:

1 ـ الحاجات العامة:

يدل الحديث المتقدم على أن الوقف يصح أن يكون عاما فالصدقة الجارية التي هي الوقف يمكن أن لا تقيد بصرف بعينه بل يمكن أن تشمل جميع القربات.

ثم مجالات الوقف كثيرة نذكر منها لا على سبيل الحصر:

2 ـ مجالات الفقراء والمساكين وأبناء السبيل:

أوردنا عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف الأرض التي أصابها بخيبر بأن منفعتها لأصحاب الحاجات من المسلمين على الفقراء وذوي القربى وفي الرقاب والضيف وابن السبيل.

3 ـ مجالات توفير موارد المياه للمسلمين:

ويدل عليه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم جعلها للمسلمين،  وفي رواية للبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حفر بير رومة فله الجنة" قال عثمان: فحفرتها(34).

4 ـ مجالات نشر الدعوة الإسلامية والتعليم:

تعتبر المساجد أحد أهم المراكز التي تنطلق منها الدعوة الإسلامية ولهذا نجد أن معظم الوقفيات ترتبط بها وبعمارتها وصيانتها ودفع نفقات الأئمة والعلماء والقراء والمدرسين فيها ونفقة العاملين فيها من مؤذنين وغيرهم،  وقد حفظ التاريخ نماذج كثيرة لهذا النوع من الوقفيات.

وكذا الوقف على المدارس وسكن طلاب العلم الشرعي والمكتبات التي يحتاج إليها المعلم والمتعلم.

أيضا نرى نوعا ءاخر من الوقفيات في مجال التعليم ونشر العلوم الإسلامية كالوقف على الفقهاء الحنفية أو الشافعية أو غيرهم من أهل المذاهب الأربعة،  أو الوقف على القراء والمحدثين ونحو ذلك.

5 ـ مجالات الذكر والتعبد:

هناك نوع ءاخر من هذه المجالات وهو الوقف على الزوايا والربط التي يقام فيها الأذكار الفردية والجماعية،  وتمثلت في العقود الأخيرة بصرفها للطرق الصوفية.

6 ـ مجالات الرعاية الصحية:

وهذا نوع ءاخر من الوقف وهو كثير وقد خصصت إيرادات الأوقاف لهذه الغاية لذا نجد أن أول مستشفى بعد بعثة خير الخلائق محمد صلى الله عليه وسلم كان وقفا أسس في عهد الوليد بن عبد الملك وخصص هذا المستشفى لعلاج المجذومين وبه أطباء متخصصون وتجري على المرضى فيه الأرزاق والرواتب للعاملين (35).

وكذا وقفت المستشفيات للمدارس أيضا لعلاج طلبة العلم والعلماء(36)،  ومستشفيات للفقراء والمساكين كالمستشفى النوري الكبير الذي أسسه السلطان العادل الشهير نور الدين سنة 549 هـ(37).