الصفحة الرئيسية

فصل في ذكر مناقب الإمام محمد الباقر رضي الله عنه

ـ اسمه وكنيته وألقابه:

هو الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين رضي الله عنهم أجمعين.

قال المناوي في ( طبقاته): سمي باقرا لأنه بقر العلم، أي شقه.

وكنيته أبو جعفر لا غير.

وألقابه ثلاثة: الباقر والشاكر والهادي وأشهرها الباقر.

وأمه هي أم عبد الله بنت الإمام الحسن ابن الإمام علي رضي الله عنهم، فهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علويين.

ـ مولده:

ولد الإمام محمد الباقر بالمدينة يوم الثلاثاء وقيل: الجمعة في غرة رجب وقيل: ثالث صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة قبل قتل جده الإمام الحسين بثلاث سنين.

روي أن الإمام محمدا الباقر ابن الإمام علي رضي الله عنهما سأل جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما لما دخل عليه عن عائشة وما جرى بينها وبين الإمام علي رضي الله عنهما فقال له جابر: دخلت عليها يوما وقلت لها: ما تقولين في علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأطرقت رأسها ثم رفعته وقالت رضي الله عنها:

إذا ما التبر حك على محك    تبين غشه من غير شك

وفينا الغش والذهب المصفى   علي بيننا شبه المحك

ـ علمه:

قال صاحب الإرشاد: لم يظهرعن أحد من ولد الحسن والحسين من علم الدين والسنن وعلم القرءان والسير وفنون الأدب ما ظهر عند أبي جعفر الباقر .

روى عن معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين وسارت بذكر علومه الأخبار وأنشدت في مدائحه الأشعار.

ـ صفته رضي الله عنه:

كان رضي الله عنه أسمر اللون معتدلا.

وشاعره: الكميت والسيد الحمري.

وبوابه جابر الجعفي.

أما نقش خاتمه فهو: رب لا تذرني فردا، ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر نقش في خاتمه هذه الكلمات:

ظني بالله حسن   و بالوصي ذي المنن

وبالنبي المؤتمن   وبالحسين والحسن

ـ مناقبه:

مناقبه رضي الله عنه كثيرة مشهورة حكى مولاه أفلح قال: حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل المسجد ونظر البيت بكى فقلت: بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو خفضت صوتك قليلا، فقال: ويحك يا أفلح ولم لا أرفع صوتي بالبكاء لعل الله ينظر إلي برحمة منه فأفوز بها غدا. ثم طاف بالبيت وجاء حتى ركع خلف المقام فلما فرغ إذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه.

وروى عنه ابن جعفر قال: كان أبي يقول في جوف الليل في تضرعه: أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنزجر، فها أنا عبدك بين يديك مقر لا أعتذر.

قال خالد بن الهيثم: قال أبوجعفر محمد الباقر: ما اغرورقت عين من خشية الله تعالى إلا حرم الله وجه صاحبها على النار فإن سالت على الخدين دموعه لم يزهق وجهه قتر ولا زلة، ما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله تعالى يكفر بها بحور الخطايا.

حكت سلمى مولاة أبي جعفرأنه كان يدخل عليه بعض إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب ويكسوهم في بعض الأحيان ويعطيهم الدراهم قال: فكنت أكلمه في ذلك لكثرة عياله وتوسط حاله فيقول: يا سلمى ما حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف، فكان يصل بالخمسمائة درهم وبالستمائة درهم إلى ألف درهم.

فائدتان: الأولى: روى الزهري قال: حج هشام بن عبدالملك فدخل المسجد الحرام متوكئا على سالم مولاه ومحمد بن علي في المسجد فقال له سالم: يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين في المسجد المفتون به أهل العراق فقال: اذهب إليه وقل له: يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكلونه الناس ويشربونه إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ فقال له : قل له يحشر الناس على مثل قرص من نقي فيها أنهارمتفجرة يأكلون ويشربون منها حتى يفرغون من الحساب. قال فلما سمع هشام ذلك رأى أنه قد ظفر به فقال: الله أكبر ارجع إليه فقل له: ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ؟ فقال محمد: قل له: هم في النار أشغل، و لم يشغلوا إن قالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فسكت هشام ولم يرجع كلاما.

الثانية: روي أن العلاء بن عمرو بن عبيد قدم على الإمام محمد صاحب الترجمة رضي الله عنه يمتحنه فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما} ما هذا الرتق والفتق؟ فقال له أبو جعفر محمد: كانت السماء رتقا لا تنزل مطرا وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات ففتقناهما بنزول المطر وخروج النبات، فسكت أبو عمرو ولم يجد اعتراضا. ثم سأله عن قوله تعالى: {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} ما غضب الله تعالى؟ فقال: طرده وعقابه، يا عمرو من ظن أن الله يغيره شيء فقد كفر.

و سئل عن قوله تعالى: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} فقال: يصبرهم علىالفقر ومصائب الدنيا.

لطيفة من كتاب ( صفة الصفوة) للحافظ ابن الجوزي عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف فقال: لا بأس به وقد حلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه فقلت: تقول: الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة و قال: نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة.

ـ كرامتان:

الأولى: عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال: كان أبي في مجلس عام ذات يوم إذ أطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه فقال: يا قوم كيف أنتم إذا إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف حتى يستعرضكم على السيف ثلاثة أيام متوالية فيقتل مقاتلتكم وتلقون منه بلاء لا تقدرون عليه ولا على دفعه وذلك من قابل فخذوا حذركم واعلموا أن الذي قلت لكم هو كائن لا بد منه. فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه وقالوا: لا يكون هذا أبدا فلما كان من قابل تحمل أبو جعفر من المدينة بعياله هو وجماعة من بني هاشم وخرجوا منها فجاءها نافع بن الأزرق فدخلها في أربعة آلاف واستباحها ثلاثة أيام وقتل فيها خلقا كثيرا لا يحصون وكان الأمر على ما قال.

الثانية من كتاب(الدلائل) للحميري: عن زيد بن قاسم قال: كنت مع أبي جعفر محمد بن علي الباقر فمر بنا زيد بن علي أخوه فقال أبو جعفر: أما رأيت هذا ليخرجن بالكوفة وليقتلن وليطافن برأسه، فكان كما قال.

ـ وفاته:

مات الإمام أبو جعفر محمد الباقر رضي الله عنه في ذي الحجة ويقالك في شهر ربيع الأول ويقال: في شهر ربيع الآخر، وربيع الأول أشهر بالمدينة سنة أربع عشرة ومائة وقيل: سنة سبع عشرة وله من العمر ثلاث وستون سنة وقيل: ثمان وخمسون، وقيل غير ذلك. وأوصى أن يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه.

وفي كتاب (درر الأصداف): مات مسموما كأبيه ودفن بقبة العباس بالبقيع، ومثله في كتاب (الفصول المهمة) عن ابنه الإمام جعفر الصادق قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وتكفينه ودفنه ودخول القبر قال: فقلت: يا أبت والله ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن منك اليوم ولا أرى عليك أثر الموت؟ فقال: يا بني أما سمعت علي ابن الحسين يناديني من وراء الجدار يا محمد عجل.

ـ أولاده:

أولاده رضي الله عنه ستة وقيل: سبعة وهم:

1 ـ أبوعبدالله الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه وكان يكنى به.

2 ـ عبدالله.

وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

3 ـ إبراهيم.

4 ـ عبدالله.

5 ـ رضى.

وأمهم أم حكيم بنت أسد بن المغيرة الثقفية.

5 ـ علي.

6 ـ زينب.

لأم ولد نقله صاحب كتاب (الإرشاد).

ـ كلامه:

من كلامه رضي الله عنه: ما دخل قلب امرىء شىء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ذلك قل أو كثر.

وقال: سلاح اللئام قبيح الكلام.

وكان يقول: والله لموت عالم أحب إلى الشيطان من موت سبعين عابدا.

موعظة: عن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي بن الحسين: يا جابر إني لمشتغل القلب، قلت: وما يشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من يدخل قلبه دين الله الخالص شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها، يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لزوالها ولم يأمنوا الآخرة لأهوالها، وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك، أليسوا قوالين لحق الله قائمين بأمر الله، فاجعل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه وكمال أصبته في منامك ثم استيقظت وليس معك منه شىء واحفظ الله فيما استرعاك من دينه و حكمته.

وقال رضي الله عنه: الغنى والفقر يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان التوكل استوطناه.

ومن كلامه رضي الله عنه: الصواعق تصيب المؤمن و غيره ولا تصيب ذاكر الله عز وجل.

وقال رضي الله عنه: ما من عبادة أفضل من عفة بطن وفرج.

وقال رضي الله عنه: بئس الأخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا.

وقال لابنه: يا بني إذا أنعم الله عليك فقل: الحمد لله وإذا أزنك أمر فقل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإذا أبطأ عليك الرزق فقل أستغفر الله.

وقال رضي الله عنه: اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك.

وفي كتاب (نثر الدرر) لأبي سعيد منصور بن الحسين أن محمد بن علي زين العابدين قال لابنه جعفر الصادق رضي الله عنهم: يا بني إن الله خبأ ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من معصيته شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحدا فلعله ذلك الولي.